الشخص الدينامو

 

  وصف غالبا ما يسمعه الشخص “الدينامو”، الذي يصلح لأداء أي عمل يوكل له، أو من يتقن مهارات متعددة يتخطى بها ضيق ذات اليد عند شح العمل في مهنة بعينها.
وكثيرا ما تجده إنسانا نشطا وفاعلا وقادرا على قهر التحديات وتذليل الصعوبات وتجاوز العقبات، لأنه يملك الإرادة الصلبة والعزيمة والقدرة على التكيف وممارسة أعمال متعددة.
هذا هو حال نبيل أمين (40 عاما)، الذي يمتلك العديد من الحرف والمهن، لكن حظه ليس جيدا معها، وفق قوله، إذ يعيش متنقلا ومتأرجحا في العمل رغم اتقانه انواعا عديدة من المهن.
لم ينتظر أمين، الذي حصل على دبلوم فني تكييف وتبريد، وظيفة حكومية دائمة له في تخصصه، فأقبل على تعلم مهن كثيرة، ولم يترك صنعة، إلا وحاول تعلمها، فعمل في محل لتركيب الستالايت، ونجح في تصليح الأجهزة الكهربائية، وصيانة الأجهزة الخلوية، وفك وتركيب قطع الأثاث، وعمل مواسرجي أيضا، وغيرها العديد.
عمة أمين الخمسينية أم أحمد، تصف ابن أخيها بـ “متعدد المهارات والحرك”، وتقول “ما أن نحتاجه لإصلاح ما عطل في المنزل حتى نجده سارع لنجدتنا في اصلاحه”.
وتضيف “أحيانا نكون جالسين ونتحدث، ويرى في المطبخ أو الغرفة شيئا تالفا أو “مخلوعا”، فيبادر بإصلاحه، دون حتى أن نطلب منه”، مؤكدا أنها لا تستغني عنه أبدا فهو “يدها اليمنى”، وفق وصفها فضلا عن أن يده “سحرية”؛ إذ لا يستغرق “إصلاح الموبايل بيده، على سبيل المثال، أكثر من عشر دقائق.
يؤكد امين أنه لا يستطيع مشاهدة أي شيء تالف دون اصلاحه، فهو يجد دافعية كبيرة للقيام بهذه المهمات، حيث عمل في عدة أماكن وتعلم منها الكثير “ولكن الحظ لا يحالفني دائما” كما يعبر عن ذاته.
“مشكلة البطالة لدى الناس موجودة لكنها بداخلنا مثل (شماعة) نعلق عليها أخطاءنا”، وفق الاختصاصية الأسرية والارشاد التربوي سناء أبو ليل التي ترى أن هناك مشاريع متجددة كل يوم، فيستطيع الشاب أن يعمل بأي عمل دون انتظار فرصة العمل التي يريدها.
وترى أن معظم الشباب “لديهم أحلام بدون أعمال”، إذ يجب على الشاب أن يجتهد على نفسه قبل فوات الأوان، ويعمل ضمن الفرص المتوفرة أمامه، فليس عيبا أن يعمل المهندس في منجرة، أثناء تعليمه أو بعده قبل حصوله على الوظيفة.
“فالحياة مدرسة يجب أن نستفيد منها” بحسب أبو ليل التي تنوه إلى أن لكل شخص مقدرة للعمل في أي مهمة توكل إليه، فالشاب الذي يعتمد على نفسه ويوسع علاقته بمعرفة الآخرين، ويحسن دخله فهو يعرف قيمة العمل والمادة.
وتقول “الشاطر من يكتسب مهارات الحياة في أي مجال يتوفر أمامه، ضمن منهجية وضمن خطوات، فمعظم من صنع التاريخ تعب وعرق، ويجب على الآباء غرس هذه القيم في ابنائهم منذ الصغر”.
تبدع هناء عبد الرحمن (38 عاما) في اتقانها لكل عمل يتوفر أمامها، فقد بدأت بصناعة سلال القش وتنسيق الزهور من المنزل لتصبح هذه المهنة مصدر رزق لها، ومن ثم توسعت في بيعها إلى محلات التحف والأدوات المنزلية.
ومع مرور الأيام وجدت أن البيع وتكلفة المواد لا يتجانسان، فغيرت هذه الفكرة وعملت مندوبة مبيعات لتسويق إحدى المنتجات التجارية، وفي الوقت ذاته عملت منظمة ومنسقة للرحلات الترفيهية مع أحد المكاتب السياحية.
ولأنها تعتبر نفسها غير محظوظة، تجدها تقفز مباشرة لعمل آخر حتى يدر عليها دخلا، حيث انتقلت لإعداد الأطعمة في المنزل والتسويق لها عبر الصحف والمعارف، وحظيت وجباتها بالإقبال والإعجاب من الجميع، وقامت بتوسيع عملها بافتتاح مطعم للتواصي والوجبات السريعة، لكنها لم تنجح لسوء اختيار المنطقة، لتتجه إلى العمل في التجارة بالشراء والبيع وهي في منزلها.
لم ييأس هؤلاء فكلهم اجتهدوا، فهم نماذج تستحق الاحترام والتشجيع، لأنهم يمتلكون سلاح الإرادة، وتحدوا ظروف الحياة التي تزداد صعوبة يوما بعد يوم، فهم قدوة حسنة لعدم الاستسلام للإحباط كغيرهم من الشباب، الذين يرفضون الاستفادة من فرص التعلم أو التدريب أو العمل، لعدم توفر استعداد نفسي للانخراط في اية مهنة تعفيهم من ذل السؤال.
أطلقت العائلة جميعها لقب “الدينامو” على مهران العلي (35 عاما)، فهو شاب مكافح جدير بأن يشار له بالبنان، ويجيد “سبع صنايع” وأعمال أخرى، ويدر دخلا جيدا بجهده وتعبه رغم الظروف العائلية الصعبة التي حالت دون مواصلة تعليمه.
يقول “لقد عملت في مهن يدوية وفي الطوبار والحدادة، وصب الاسمنت المسلح وبناء الطوب وبناء الحجر وتكحيله والتبليط والقسارة والدهان، وغير ذلك من الأعمال”.
وعند تكليفه بإنجاز عمل انشائي في المنزل، فهو يوفر الكثير من الجهد على صاحب المنزل، ويريحه من البحث عن (صنايعية)، ويعمل بمستوى مهني عال، بالاضافة لالتزامه بمواعيده في التسليم.
ويقول “العمل عبادة، وأنا أحب عملي كثيرا، ولا أتردد بالقيام بأي عمل أعرفه أو حتى لا أعرفه، فلا أرفضه بل أتعلمه وأتقنه، وبالنسبة لتنقلي في العمل من هنا وهناك، فهذا شيء لا يزعجني، ولا أصفه بقلة الحظ، لأن الرزق من عند الله وحده”.
يرى الاختصاصي الاجتماعي د. حسين خزاعي، أن العمل أهم من عدمه ومن الاعتماد على الآخرين، وكلما عمل الإنسان يتعرف على أشخاص جدد وسنحت له فرص جديدة، وهذا يجعله يندمج في المجتمع ويطوّر نفسه ويستفيد من طاقته وخبراته في الحياة.
ويؤكد أن الشخص الذي ينجز ويتقن أي عمل أمامه، يكسب احترام وتقدير المجتمع لأنه يعتمد على نفسه، ولا عيب أن يعمل الانسان في أكثر من عمل، لكن التركيز على عمل واحد سيكون أفضل لأن الناس تتعرف عليه أكثر.
ويدعو الشباب للعمل والخروج من المنزل وعدم انتظار الوظيفة والراتب والمكان المناسب، فالانخراط في العمل يفتح آفاقا جديدة لبناء المستقبل.

الكلمات الدليلية :

مقالات متعلقة