قصة قصيرة.. بعد الموت بسبع دقائق

 

رفع عينه بحركة تلقائية إلى كاميرا الويب الخاصة به فوجدها غير موصّلة

رفع عينه بحركة تلقائية إلى كاميرا الويب الخاصة به فوجدها غير موصّلة

(1)

- هل تأكدتِ من أرقام كارت الشحن؟

- نعم.

- إذن.. فهل تُنزلي الكاميرا لأسفل قليلا؟

- هكذا سريعا؟ لم نتعرف بعد.

يرجع بوجهه المجعّد للوراء متأففا، ثم يعود فيكتب:

- وما الذي تريدين أن تعرفيه؟

ترفع عينيها للأعلى، تديرهما يمينا ويسارا:

- هممم..

ثم تواجهه بنظرتها الباسمة:

- من أين أنت؟

يحرّك رأسه للأمام ببطء، يتأمل ملامحها بعينيه الناضبتين، وبالرغم من أنه تعرّفها لغرض مشين، إلا أنها بدت له بريئة جدا في تلك اللحظة:

- هل يمكنك أن تقتربي أكثر من الكاميرا.

يقترب وجهها من الكاميرا حتى يملأ شاشته كلها، ذاك الشعر الناعم الفاحم الذي يعدم بهجة الألوان، إنه يستلزم عينين سوداوين بالمثل كي يوضّح بياض بشرتها ويبرزه بالتضاد، وهي تملك كل ما تستلزمه.

- خذيها كلمة من رجل مولع باثنتين: الطب والحريم، أنتِ بارعة الجمال.

تبتسم في خجل طفولي، تعيد توجيه السؤال:

- وأنت من أين؟

- إسكندرية، محطة الرمل.

- وكم عمرك؟

يمد يده المعروقة ويكتب:

- ثلاثين.

- غريبة!

بحركة تلقائية رفع عينه إلى كاميرا الويب الخاصة به، إنها غير موصّلة، وبالرغم من هذا شعر بأنه مُراقَب، هرش ما بقي من شعره الأشيب وطبع متوجسا:

- وما الغريب؟

- هذا لأني أعرف أيضا شخصا في الثلاثين من محطة الرمل.

- ومن هو؟

تقول بنبرة ضاحكة:

- أنت.

يبادلها الضحك:

- أنا! حسنا يا سيدتي، والآن، هلاّ أنزلتِ الكاميرا لأسفل قليلا.

تميل رأسها لأسفل بينما عيناها مثبتتان إلى الكاميرا ولا تزال تبتسم:

- هل أنت مستعد؟

يبتلع ريقه وتعلو دقات قلبه:

- نعم.

- حسنا.

تهتز الكاميرا وتضطرب الصورة التي يتلقاها، تميل زاوية الكاميرا رويدا للأسفل، من بعد أنفها الدقيق هناك شفاها حمراء مكتنزة ومثيرة، ومن بعد شفاهها الحمراء هناك ذقن مسحوبة يعلوها طابع حسن، ومن بعد الذقن المسحوبة هناك رقبة مقطوعة يتخثر دمها الأحمر حتى يستحيل أسود، مما يوضح بريق بشرتها ويبرزه بالتضاد.

ينتفض للوراء كاتما شهيقه.. ومن بعد الرقبة المقطوعة هناك.. لا شيء.. ترجع الكاميرا إلى الرأس المعلّق ـ مبتسماـ في الفراغ.

***

(2)

يهتز خلخالها أسفل ساقيها المصبوبتين صبّا من الملاءة السوداء..

ملاءة سوداء، عيون سوداء، وشعر أسود، ووحدها بشرتها الناصعة توضح البهاء وتبرزه بالتضاد، وفي الحارة الضيقة، لا تسمع سوى هتاف الشاويش من بعيد “هع! مين هناك!” ورنين الخلخال.

تنعطف عند محل عطارة، تقول بنبرة تجمع ما بين الدلال والمرح والحسم والثقة:

- سعيدة.

تلك النبرة التي اكتسبتها من تلقي الإعجاب تلو الإعجاب من الرجال. يترك العطّار الشاب ما كان بيده، يرفع رأسه إليها ويفغر فاه:

- رباه!

ها قد بدأ، إن الزمن لم يخيّب حسنها في أي مرة، فتقول بنفس النبرة التي لم يعد بإمكانها إتقانها أكثر:

- هات بقرش صاغ حبّهان.

لا تتلقى أي استجابة من العطار الذي وقف شادها يتأمل حسنها، ثم أنه أحنى رأسه يتفحص جسدها بينما يقول:

- أتدرين بأنكِ أكثر امرأة رأسها راكبة على جسمها؟

لم تفهم بالضبط ما قد قال، لكنها أدركت أنه نوعا من الغزل.. مدّت كفّها بالعملة قائلة:

- باقول لك اديني بقرش صاغ حبّهان.

يمد يده يقبض على ذراعها الممدودة ويتحسسها بين أصابعه:

وأنا أقول لكِ أنتِ شديدة الحسن.

تنتفض يدها في قوة:

- احفظ يدك بدلا من أن أقطعها لك.

ثم تستدير مغادرة، لكنه يسارع باستوقافها من ذراعها بنبرة ليّنة:

- سامحيني، حُسنك أطار لبي، سأحضر لكِ الحبّهان حالا.

لكنها من جديد نفضت يدها وقالت بنبرة خلت من كل شيء إلا الثقة:

- ألم أقل لك احفظ يدك أو أقطعها لك؟

اختفى العطار لجزء من الثانية خلف طاولته، ثم وجدت سكّينا يجز عنقها بينما يردد:

- الذي يريد أن يقطع لا يتحدث كثيرا.

وقد تم الأمر بأسرع من قدرتها على التصوّر، وارتمت على الأرض تجاهد كي لا تغلق عينها، ومن منظور رؤيتها بالأسفل بدا لها عملاقا مائلا فوقها يسحبها من قدميها نحو غرفة داخلية، وفي أذنيها تختلط أصوات الجرجرة مع رنين خلخال، ونداء بعيد لشاويش يتساءل عمّن هناك.

وإذ تغمض عينيها بالنهاية ساد ظلاما أوضح نضارة شبابها وأبرزه بالتضاد، لمرة أخيرة.

***

(3)

ينتفض للوراء كاتما شهيقه.. ومن بعد الرقبة المقطوعة هناك.. لا شيء.. ترجع الكاميرا إلى الرأس المعلّق ـ مبتسما ـ في الفراغ.

- ما بكَ؟ لماذا تلبّكت هكذا حين لم ترَ جسدي؟

لا يجيب، يتراجع بكرسيه حتى يفقد توازنه ويسقط إلى الأرض، فيكمل التراجع زحفا، تقول مطمئنة:

- حسنا، ما دمت خائفا هكذا سأريك جسدي.

يواصل تراجعه الحثيث بظهره حتى يصطدم بشيء، يصرخ، ويلتفت للخلف، فيعلو صراخه أكثر، إنه جسدها، غالبا جسدها، فكيف يتيقن ما دام الجسد من دون رأس؟!

تضحك ضحكة رنانة:

- هاه! هل أعجبك جسدي؟

تتساقط ملاءة سوداء عن الجسد، فيقف متغنّجا في فستانه المجسّم واضعا ذراعيه حول خصره ومدبدبا بقدمه. ينقل الرجل بصره بين رأسها على الشاشة، وجسدها الواقف أمامه.. لا يدري إلى أين يتراجع، لا يملك إلاّ أن يصيح:

- أرجوكِ! ارحمي عجوزا في سنّي!

تلك العبارة التي لم تثر إلاّ ضحكها:

- لا تقل عجوزا؛ ألم تقل عمرك ثلاثين؟

- ما الذي تريدينه مني؟

- أريد أن أمنحك ما تستحقه.

يتحشرج صوته:

- ممـ.. ما أستحقه؟!

تقول ببساطة:

- نعم، فلقد أخذتُ مقابل عملي، ويجب أن أؤديه على أفضل وجه.

يتراجع الجسد قليلا ليمنحه مجال رؤية أفضل، يخلع الحذاءين ثم يبدأ العرض بحركات مغرية، تصاحبها نغمات خلخال.

يلتفت إلى وجهها على الشاشة، فتغمز بعينها وترسل قُبلة. لا يستطيع أن يتقبل شيئا من هذا، لا يستطيع أن يتحمل شيئا من هذا، يخفي وجهه بكفيه ويصرخ:

- كفى! كفى! من أنتِ، وماذا تريدين مني؟

- تؤ.

تطلقها بدلال، بينما يذهب الجسد ليجلس على مقعد:

- كان هذا مُحبِطا.

ثم ترفع ساقا فوق ساق، وتقول:

لم تكن هكذا زمان، لقد تبدلت كثيرا عن ذي قبل، ولو كان هذا العرض قد وقع قبل خمسين سنة من الآن ما كنت لتكتفي بالمشاهدة مرعوبا.

يخفض كفيه عن وجهه، ويرفع رأسه إليها من موضعه على الأرض:

- أتقولين بأنكِ تعرفيني منذ زمن؟ فمن أنتِ؟

دقق جيّدا في ملامحي، فقد تكون معرفتنا قصيرة لا تتجاوز سبع دقائق، لا قبل موتي ولا بعده، ولكنها بما يكفي جدا، لكي أذكرك ما بقي لك من العمر.

تقترب بوجهها من الشاشة من جديد أكثر، يضيّق عينيه بشدة، ويشده بصره إليها قبل أن تتسع عينه إلى مداها:

- إنها أنتِ.. أنتِ حسناء محطة الرمل. ياه! كم مر من العمر!

- صدقت، عمر طويل، لم أعش منه شيئا، ولكن أتظن أن ذاك العمر الطويل قد مُنِحته اعتباطا؟ ألا تؤمن بأنك هنا بانتظار شيء ما يجب أن يقع قبل أن ينتهي عمرك؟

- شيء مثل ماذا؟

- مثل.. عطية يجب أن تأخذها، رسالة يجب أن تصلك، أو مهمة..

يقوم الجسد، ويقترب تجاهه فيما تقول بحسم:

أو مهمة يجب أن تساعدني لأتمها اليوم.

ينظر إلى الجسد ويقول بخشوع:

- أتقصدين المهمة التي أخذتِ ثمنها؟

تدوّي ضحكتها، فيما يهتز جسدها:

- بالتأكيد لا، بل أقصد المهمة التي ثمنها عمرك.

الكلمات الدليلية :| |

مقالات متعلقة