من مواقف الرجال

بسم الله الرحمن الرحيم ..

قصة اليوم عن صحابي ربما الكثير منكم لا يعرفه ..ولم يسمع باسمه .. ولكنه رغم ذلك رجل تخرّج من مدرسة محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم .. وتعلم منها العزّة والأنفة والتضحية والبطولة ..

كان هذا الصحابي ضمن جيش المسلمين الذي كان يستعد لمواجهة امبراطورية من أعظم الامبراطوريات في ذلك الزمن .. امبراطورية فارس ..وكان الجيش بقيادة سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه .. في مواجهة جيش الفرس الهائل بجنوده وأفياله بقيادة ” رستم ” ..

أراد رستم قبل أن تبدأ المعركة ان يُفاوض المسلمين .. فربما استطاع اغرائهم وتحريك نزاوع الطمع وحب المال والدنيا فيهم ويُرجعهم إلى حيث أتوا .. لأنه لم يكن يعلم في أي مدرسة درس هؤلاء .. وأي انقلاب هائل أحدثه محمد رسول الله في نفوسهم .. وأي تربية ربّاهم .. وأي رجال جعلهم ..!!

طلب رستم من سعد رضي الله عنه أن يرسل له رجلاً يُفاوضه .. فبعث له سعد بطلنا اليوم .. “ ربعي بن عامر ” رضي الله عنه ..
وامر رستم ببسط النمارق ووضع الزبرجد ووُضع له سرير من ذهب .. ولبس كامل زينته .. ولم يتركوا شيئاً من الحلي والجواهر ومظاهر الفخامة إلا وضعوها ..يريدون بذلك أن يفتنوا هذا العربي القادم من أعماق الصحراء .. ليسيل لعابه .. ويسيل لعاب قائده وجنده ويرضوا بالقليل ويعودوا إلى صحرائهم ..
ذلك ظن رستم ومن معه ..

وجاء ربعي بن عامر رضي الله عنه ..جاء على فرس قصيرة ومعه سيفه ورمحه .. ويلبس ثياباً مهلهلة .. ثم نزل عن فرسه وشقّ وسادتين وربطها بهما .. فتركوه ولم ينهوه ..ثم قالوا له ” ضع سلاحك ” .. فقال : ” إني لم آتكم فأضع سلاحي بأمركم أنتم دعوتموني, فإن أبيتم أن آتيكم كما أريد رجعت,” .. فأذن له رستم ..فدخل .. وقد أدرك غايتهم من كل هذه المظاهر .. فهل سينخدع ابن الصحراء الفقير بما يرى .. أم أن محمداً قد فجّر فيهم كبرياء وعزاً وشموخاً لا يضاهى ولا يُبارى ؟!!

دخل ربعي وهو يتكأ على رمحه .. فلم يترك لهم بساطاً أو وسادة إلا وأفسده وخرقه .. حتى دنا من رستم .. فتعلق به الحرس .. ثم جلس على الأرض وركز رمحه بالبسط وقال “” إننا لا نستحب الجلوس على زينتكم هذه ..””
واهاً يا ربعي .. ما أكبر عزّة نفسك .. أينك ترانا يا سيدي كيف صرنا ؟ .. كيف صرنا نرتمي على اعتباب زينتهم وكانها ترياق الحياة .. وصاروا هم قادتنا ومعلمينا .. وصارت أفعالهم وأقوالهم قدوة لنا .. ونضرب بها الأمثال .. حتى نسينا أنفسنا وصرنا لهم تبعاً .. أين أنت يا ربعي لترى أين وصل اليوم انبهارنا بالغرب وزينته ..وما من أحد منا حمل ولو شوكة ليخرق زينتهم تلك ..!!
جلس ربعي على الأرض .. فسأله رستم عن سبب مجيئهم ..فقال ” الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله, ومن ضيق الدنيا إلى سعتها, ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام,” … كلمات قليلة تلخص كل القصّة ..
وعلم رستم ومن معه أن مكديتهم فشلت .. وان زينتهم وأموالهم وذهبهم وجواهرهم لن تُغني شيئاً من رجال كهؤلاء … وضعوا أرواحهم على اكفّهم .. ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور .. لا يريدون بذلك لا درهماً ولا ديناراً ولا متاعاً .. لا يريدون بذلك إلا الله والجنّة .. وبذلك انتصروا ..!!

Comments are closed.